ابن شعبة الحراني
437
تحف العقول عن آل الرسول ( ص )
يقبض نبيه صلى الله عليه وآله حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شئ وبين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا ، فقال : " ما فرطنا في الكتاب من شئ ( 1 ) " . وأنزل عليه في حجة الوداع وهي آخر عمره صلى الله عليه وآله " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ( 2 ) " . وأمر الإمامة من كمال الدين . ولم يمض صلى الله عليه وآله حتى بين لامته معالم دينه وأوضح لهم سبلهم وتركهم على قصد الحق ، وأقام لهم عليا عليه السلام علما وإماما ، وما ترك شيئا مما تحتاج إليه الأمة إلا وقد بينه . فمن زعم أن الله لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله ، ومن رد كتاب الله فقد كفر . هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة ، فيجوز فيها اختيارهم ( 3 ) . إن الإمامة خص الله بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة وفضيلة شرفه بها وأشاد بها ذكره ( 4 ) ، فقال عز وجل : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما " ، قال الخليل سرورا بها : " ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ( 5 ) " . فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة . ثم أكرمها الله بأن جعلها في ذرية أهل الصفوة والطهارة ، فقال : " ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ( 6 ) " . فلم تزل ترثها ذريته عليه السلام بعض عن بعض قرنا فقرنا حتى ورثها النبي صلى الله عليه وآله ، فقال الله : " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا ( 7 ) " فكانت لهم خاصة
--> ( 1 ) سورة الأنعام آية 38 . ( 2 ) سورة المائدة آية 5 . ( 3 ) زاد في الكافي والعيون [ إن الإمامة أجل قدرا وأعظم شأنا وأعلا مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوا بآرائهم أو يقيموا إماما باختيارهم ] . ( 4 ) الإشادة رفع الصوت بالشئ . ( 5 ) سورة البقرة آية 124 . ( 6 ) سورة الأنبياء آية 72 . ( 7 ) سورة آل عمران آية 67 .